تلقي مارين لوبان خطابها الانتخابي الكبير الأول في أورليان بعد ظهر الأحد، قبل ستة أشهر من انتخابات الرئاسة الفرنسية، حيث تُعدّ الأوفر حظاً. واختيار المكان مقصود: مدينة كبرى في قلب فرنسا، ورسالة موجهة مباشرة إلى الحياة اليومية للناخبين.

وعلى امتداد أوروبا، حققت أحزاب اليمين المتطرف تقدماً بخطاب يلامس القلق نفسه: ارتفاع الأسعار، وضغط الخدمات العامة، وشعور بأن الأسر العادية تدفع ثمن أزمات لم تتسبب فيها. وتُعدّ فرنسا أكبر اختبار لهذا النمط حتى الآن. فإذا حوّلت لوبان تقدّمها إلى فوز، سيُقرأ ذلك في القارة كلها كتأكيد لاتجاه، وإذا تعثرت، سيُقرأ كدليل على حدوده.

ولذلك فإن خطاب الأحد يتجاوز حملة واحدة: إنه البيان الافتتاحي لسباق يمتد ستة أشهر وستتابعه العواصم من برلين إلى وارسو، وسؤاله المركزي هو السؤال نفسه الذي يواجه الناخبين في كل مكان: بمن تثق في ملف غلاء المعيشة؟

لماذا يهمّ الخطاب الأول بهذا القدر؟

الخطاب الانتخابي الكبير الأول ليس وثيقة سياسات، وليس المقصود منه ذلك. وظيفته هي تحديد شروط الحملة: القصة التي تريد المرشحة أن يحملها الناخبون في أذهانهم، والخصوم الذين تريد أن يتخيلوهم، والوعود التي تريد أن يتذكروها. وكل ما يأتي بعده، من مقابلات ومناظرات وتجمعات، سيُقاس بالإطار الذي يرسمه.

وبالنسبة للمتصدرة، تكون المهمة أصعب لا أسهل. فالمنافسة تستطيع أن تعد بكل شيء لأن أحداً لا يتوقع التنفيذ بعد، أما المتصدرة فيُحكم عليها أصلاً كرئيسة محتملة، وكل وعد يدعو إلى السؤال عن كيفية الوفاء به فعلاً. ولذلك يجب أن يحقق خطاب لوبان أمرين في آن واحد: تحفيز أنصار يريدون قطيعة مع الوضع القائم، وطمأنة ناخبين متأرجحين ينظرون إليها لأول مرة.

لماذا أورليان؟

أورليان مدينة كبرى في قلب فرنسا، على نهر اللوار، وتاريخها مرتبط بجان دارك وبالهوية الوطنية الفرنسية. واختيارها لانطلاق الحملة بيان في حد ذاته: فهو يضع المرشحة في فرنسا الإقليمية لا في باريس، بين ناخبين يشعرون بالبعد عن سياسات العاصمة، ويغلّف الحملة برمزية الصمود الوطني. فإطلاق الحملات عمل مُخرج بعناية، والإخراج جزء من الرسالة.

انتخابات غلاء المعيشة: ما يشعر به الناخبون فعلاً

عبارة "غلاء المعيشة" تبدو مجردة، لكنها تصف مجموعة تجارب ملموسة جداً: فاتورة الكهرباء التي ارتفعت أسرع من الأجور، والتسوق الغذائي الذي يشتري أقل مما كان يشتريه قبل عام، والإيجار الذي يلتهم حصة أكبر من الشهر، والوقود اللازم للوصول إلى العمل. وعندما يقول الناخبون إن غلاء المعيشة هو همّهم الأول، فإنهم يصفون عادة ضغطاً على كل هذه الجوانب معاً، وشعوراً بأن مستوى معيشتهم يتراجع رغم أنهم يعملون بالجدّ نفسه.

وهذا الضغط قوي سياسياً لأنه شامل وشخصي في الوقت نفسه: فهو يمسّ الجميع تقريباً، لكن كل شخص يعيشه بطريقة مختلفة، مما يعني أن كل مرشح يستطيع الادعاء بأنه يفهمه، وكل ناخب يستطيع الحكم على هذا الادعاء بمقارنته بحياته. كما أنه يجعل التقسيمات التقليدية بين اليسار واليمين أقل فائدة: فالناخب القلق على فواتيره قد يهتم أقل بأيديولوجية المرشح من اهتمامه بما إذا كان المرشح يبدو مدركاً للمشكلة ويقدم شيئاً ملموساً.

لماذا تدخل الخدمات العامة في القصة نفسها؟

ارتفاع الأسعار ليس إلا نصف القلق، أما النصف الآخر فهو الشعور بأن الخدمات العامة، من الرعاية الصحية والمدارس والنقل والإدارة المحلية، تتعرض لضغط في الوقت نفسه. فعندما تطول قائمة انتظار المستشفى، أو تفقد مدرسة معلميها، أو يُلغى خط حافلات ريفي، يعيش الناخبون ذلك كشكل آخر من الضغط نفسه: دفع أكثر والحصول على أقل. والمرشحون الذين يربطون الأسعار والخدمات في قصة واحدة عن نظام لم يعد يعمل لصالح الناس العاديين يقطعون عادة شوطاً أبعد من الذين يعالجونها كمسائل تقنية منفصلة.

النمط الأوروبي ولماذا تعدّ فرنسا أكبر اختبار له؟

حملة لوبان لا توجد في عزلة. ففي أوروبا، حققت أحزاب اليمين المتطرف تقدماً بخطاب يلامس القلق نفسه: الأسعار والخدمات والهجرة وشعور بأن الأحزاب الراسخة توقفت عن الإصغاء. وفي عدة بلدان دخلت هذه الأحزاب الحكومات أو أصبحت المعارضة الرئيسية، وفي بلدان أخرى أجبرت الأحزاب التقليدية على تبني أجزاء من أجندتها.

وتعدّ فرنسا أهم من معظم هذه الحالات لثلاثة أسباب. أولاً، لأنها من أكبر اقتصادين في الاتحاد الأوروبي ومركز ثقله السياسي، والرئاسة اليمينية المتطرفة في باريس ستغيّر التوازن الداخلي للاتحاد بطرق لا تستطيع انتخابات أي دولة أصغر أن تغيّرها. وثانياً، لأن النظام الرئاسي الفرنسي يمنح الفائز قوة غير عادية، مما يرفع رهانات الاختيار. وثالثاً، لأن لوبان نفسها هي أبرز شخصية في اليمين المتطرف الأوروبي، ومسيرتها السياسية تمتد لعقود: ففوزها سيُقرأ كوصول الحركة إلى القمة، وتعثرها سيُقرأ كدليل على أن لها سقفاً.

قراءتان لفوز لوبان

إذا فازت، سيقدّم أنصارها في أوروبا ذلك كدليل على أن الناخبين يكافئون الأحزاب المستعدة لكسر الإجماع الراسخ حول الهجرة والاتحاد الأوروبي والسياسة الاقتصادية. وستواجه الأحزاب التقليدية ضغطاً للرد، إما بتبني مواقف أشد أو بإيجاد قصة بديلة أكثر إقناعاً.

أما إذا تعثرت، كما حدث في جولات رئاسية سابقة، فسيقول خصومها إن جاذبية اليمين المتطرف لها حدود: فالناخبون قد يستخدمونه للاحتجاج، لكنهم يترددون في منحه السلطة. ولن تنهي هذه القراءة الحركة، لكنها ستغيّر صورتها الذاتية من قوة حتمية إلى منافس دائم.

ما الذي ستراقبه برلين ووارسو؟

عبارة "من برلين إلى وارسو" تلخّص اتساع الاهتمام الجغرافي. ففي برلين، السؤال هو ما الذي سيعنيه رئاسة لوبان للشراكة الفرنسية الألمانية التي ترتكز عليها أوروبا. وفي وارسو وغيرها من عواصم أوروبا الوسطى، السؤال هو ما إذا كان اتجاه فرنسا يؤكد خياراتها السياسية أو يعقّدها. وفي بروكسل، السؤال مؤسسي: كيف ستستخدم رئيسة فرنسية متشككة في التكامل الأوروبي ثقل فرنسا داخل صنع القرار في الاتحاد؟

سباق الستة أشهر: ماذا يحدث الآن؟

الحملة التي تبدأ قبل ستة أشهر من التصويت سباق طويل، وستتغير ديناميكياته مرات عدة قبل التصويت. فالمرحلة المبكرة تدور حول التعريف: يحاول كل مرشح تثبيت صورته قبل أن يثبّتها خصومه نيابة عنه. والمرحلة الوسطى تدور حول الأحداث: الأخبار الاقتصادية والأزمات الدولية والجدل المحلي التي يمكن أن تعيد صياغة السباق بين ليلة وضحاها. أما المرحلة الأخيرة فتدور حول التعبئة: تحويل الأنصار إلى ناخبين، وهو ما يعني في النظام الفرنسي ذي الجولتين الفوز في الجولة الأولى وبناء تحالف واسع بما يكفي للفوز في الثانية.

فخ الجولة الأولى

في جولة أولى متعددة المرشحين، يكمن الخطر الرئيسي للمتصدرة في التراخي: افتراض أن جولة الحسم مضمونة بينما يتنافس الخصوم على بطاقة التأهل الثانية. وتحدي لوبان هو إدارة حملة تحافظ على حماس قاعدتها دون تنفير الناخبين الذين ستحتاجهم في الجولة الثانية، عندما يضيق الاختيار إلى اثنين ويختار كثير من الناخبين المرشح الذي يكرهونه أقل.

سؤال الجولة الثانية

أما السؤال الحاسم في أي انتخابات رئاسية فرنسية فهو من يستطيع بناء أغلبية في الجولة الثانية، وهذا يتطلب الوصول إلى ما وراء القاعدة الأساسية، وهو ما عانت منه حملات اليمين المتطرف سابقاً: فالناخبون الذين دعموا مرشحين آخرين في الجولة الأولى يجب إقناعهم لا تعبئتهم فقط. وما إذا كانت لوبان تستطيع ذلك هذه المرة، وما إذا كانت رسالة غلاء المعيشة هي الجسر الذي يوصلها إلى هناك، فهو السؤال الاستراتيجي المركزي في الأشهر الستة المقبلة.

ماذا نراقب من خطاب الأحد؟

ترتيب الوعود

أي وعد يأتي أولاً وأي وعد يأتي أخيراً يكشف الأولويات الحقيقية للحملة. فالخطاب الذي يتصدره القدرة الشرائية حملة مختلفة عن الخطاب الذي يتصدره الهجرة، حتى لو ظهر الموضوعان معاً.

نبرة الخطاب تجاه الخصوم

هل تهاجم لوبان الحكومة المنتهية ولايتها أم منافسيها المباشرين أم النظام كله؟ فالهدف الذي تختاره سيحدد حرارة الحملة ويحدد من يشعر بأنه مضطر للرد.

رد الفعل خارج فرنسا

راقب ردود فعل العواصم الأوروبية الأخرى ومؤسسات الاتحاد الأوروبي في الأيام التالية للخطاب، فستشير نبرتها إلى مدى جدية تعاملها مع احتمال رئاسة لوبان، وقد تصبح ردودها نفسها مادة للحملة.

الاستطلاعات في الأسابيع المقبلة

ستظهر الاستطلاعات الأولى بعد الخطاب ما إذا كان الانطلاق قد وسّع دعمها أم ثبّته فقط. والتوسيع لا التثبيت هو ما يحوّل المتصدرة إلى رئيسة.

والسباق الذي ينطلق في أورليان يوم الأحد سيكون طويلاً، وستشكّل نتيجته فرنسا وأوروبا لسنوات. لكن سؤاله المركزي واضح أصلاً، وهو السؤال الذي سيحمله كل ناخب إلى صندوق الاقتراع: بمن تثق في ملف غلاء المعيشة؟

المصادر: فرانس 24 وتقارير عالمية (25/10/2026).