تسعى العواصم الأوروبية بشكل حثيث لصياغة موقف موحد يضمن تمثيلها الفاعل في محادثات التسوية المرتقبة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، في وقت تحاول فيه القارة العجوز تدارك تراجع نفوذها السياسي والدبلوماسي على طاولة المفاوضات الكبرى، بحسب ما أفادت تقارير صحفية نشرتها صحيفة "التلغراف". وتأتي هذه التحركات وسط هواجس متصاعدة بين صناع القرار في الدول الأوروبية من تهميش دورهم الحيوي في رسم ملامح الاستقرار المستقبلي، بينما يواصل الكرملين فرض شق رئيسي من شروطه الخاصة عبر التأكيد على ضرورة تقديم ضمانات أمنية صارمة تخدم المصالح الروسية وتلبي متطلبات موسكو الاستراتيجية كشرط أساسي لأي تسوية سياسية مقبلة.

حسابات المعسكر الأوروبي ومأزق التمثيل

تشير المعطيات الواردة من القارة إلى حالة من الارتباك الدبلوماسي نتيجة غياب آلية واضحة تتيح للدول الأوروبية الجلوس بندية ومشاركة حقيقية في المباحثات الدولية المتعلقة بالملف الأيضاحي الأوكراني. ومع تزايد التكهنات بشأن قرب انطلاق مسار تفاوضي سياسي، تخشى الإدارات الأوروبية من أن تُترك خارج معادلة تقاسم النفوذ الأمني، مما دفعها للبحث عن مظلة مشتركة تجمع مواقفها المتشعبة للضغط من أجل حضور دائم ومؤثر يحفظ أمنها الإقليمي المباشر. وتتزامن هذه التطورات مع تحولات كبرى تشهدها القارة، إذ تبرز قضايا جوهرية تعيد رسم الهوية والثقل الاجتماعي في المنطقة، بالتوازي مع ما تعكسه التغيرات في بنية المجتمعات الأوروبية، حيث تشير تقارير إلى أن المسيحية تتراجع في أوروبا والمستقبل يتجه صوب الوافد الجديد على صعيد التركيبة السكانية والثقافية.

لماذا يهم هذا الأمر؟

تكتسب هذه النقاشات الدائرة حول التسوية في أوكرانيا حساسية بالغة لأنها تمس الأمن القومي الأوروبي بأسره وتحدد ملامح النظام الأمني القاري لعقود قادمة. إن أي تهميش لأوروبا في هذه المفاوضات سيعني تلقائياً فقدانها للسيطرة على قرارها الاستراتيجي، ويتركها عرضة لترتيبات أمنية تُفرض عليها من قوى خارجية. هذا الغياب المحتمل قد يضعف الردع الأوروبي المشترك ويفقد العواصم الكبرى قدرتها على التأثير في الخرائط السياسية لشرق القارة، مما يجعل استقرارها المرتبط بحرب أوكرانيا مرهوناً بتفاهمات لا تمتلك فيها الكلمة العليا.

ما يجب مراقبته في المرحلة المقبلة

يتعين على المراقبين متابعة مدى قدرة الدول الأوروبية على تجاوز خلافاتها الداخلية لإنتاج جبهة دبلوماسية متماسكة وموحدة خلال الأسابيع القادمة. كما ينبغي ترقب أي ردود فعل رسمية من موسكو وواشنطن حيال محاولات فرض الحضور الأوروبي على طاولة المفاوضات، وما إذا كانت الجهود المبذولة ستنجح في تعديل بوصلة التسوية التي يبدو أن الكرملين يسعى لتوجيهها وفق شروطه الخاصة.

Sources: الجزيرة نت